يونايتد تين هاغ إلى أين؟!

"سأنهي حقبة كلوب وجوارديولا"؛ أعتقد أن الجميع مرّ عليهم هذا التصريح -بما معناه-؛ الذي أدلى به المدير الفني لفريق مانشستر يونايتد، الهولندي "تين هاج" في أول مؤتمر صحفي له مع الشياطين الحمر، فقد جاء حديثه هذا للدلالة على إمكانياته وقدرته على إعادة اليونايتد إلى الأمجاد مرة أخرى، بعد معاناة طويلة عاشها الفريق منذ مغادرة مدربه التاريخي "السير فيرجسون".
ومن خلال حديثه وتصريحاته الأولى التي كانت فيها ثقة كبيرة -وغطرسة نوعًا ما-، ظنّت جماهير مانشستر يونايتد "البائسة" أنه هو الرجل الذي سيعيد اليونايتد إلى منصات التتويج.. ولا أخفيكم سرًا أني كنت أعتقد ذات الأمر، وذلك لعدة أسباب -قد تبدو مقنعة بعض الشيء-؛ مثل تصريحاته التي بدا من خلالها كأنه هو "خليفة السير"، ولعل هذا التصريح هو الأكثر تأثيرًا من بينها، حينما قال: "لدي خطة معينة وأرغب في تنفيذها، ويجب أن نجدد في بعض المراكز هدفنا هو لعب كرة قدم جميلة". وندرك تمامًا مدى تأثير هذه التصريحات على الجماهير.. وما يزيد تأثيرها أكثر هو ما قدّمه مع فريقه السابق "أياكس أمستردام"، ومن أبرز إنجازاته معهم -في حدثٍ تاريخيٍ- وصولهم إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لأول مرة منذ 22 عامًا، بالإضافة إلى تحقيق الدوري الهولندي ثلاث مرات، وكأس هولندا مرة، والسوبر مرة، حيث قدّم كرة قدم جميلة مع أياكس؛ لكن قد يكون نجاحه مع أياكس بسبب اللاعبين المتواجدين في الفريق آنذاك، ومنهم دي ليخت، دي يونغ، فان دي بيك، زياش... "لكن المهم أنه نجح معهم"، ولذلك اعتقدت الجماهير -وأنا أحدهم- في نجاحه مع الشياطين الحمر.

تين هاغ مع كريستيانو أثناء تبديله 
ومن الأسباب التي جعلتني أتوقع نجاحه -وأعتقد أغلب الناس كذلك-؛ هي تواجد مجموعة من اللاعبين الممتازين في مانشستر يونايتد، ولذلك ظننت أن هؤلاء اللاعبين لا يحتاجون سوى مدرب بمثابة "تين هاج".. ولكنني لم أكن أعلم أن مشكلة اليونايتد تكمن في المدرب فقط؛ فقد تبيّن لي فيما بعد أن اليونايتد مليء بالمشاكل -ولكني لن أتطرق إلى أي موضوع من هذا القبيل في هذا المقال-.

وكان من ضمن فريق اليونايتد؛ الأسطورة كريستيانو رونالدو، الذي قدّم مستوى رائعًا معهم في تلك الفترة، فكان من هدافي البريميرليج، منافسًا لصلاح وسون، اللذين يصغرانه بـ8 أعوام تقريبًا، وزاد ذلك ثقة الجماهير أكثر في تين هاج، حين تحدث عن دور كريستيانو في مشروعه، قائلًا: "بالطبع سيكون لرونالدو دور رئيسي معنا الموسم المقبل". ربما كان محقًا؛ لكنه لم يجد العبارات المناسبة.. لأنه بالفعل كان له "دورٌ رئيسيّ" فيما يخص رونالدو، فقد كان هو السبب في رحيله من الفريق.. حقيقة لا أعلم ماذا كان يدور في ذهنه حين قرر أن يقلّل من قيمة الأسطورة -باستبعاده من المباريات أو بعدم الاعتماد عليه كلاعب أساسي-؛ ربما كان يظن نفسه حينئذٍ أنه سيثبت للجماهير كمدرب صارم وله هيبة -بغض النظر عما فعله كريستيانو- فقد أثبت تين هاج نفسه كـ "مدرب لا يُحسَن التقدير".. وما يحدث معه الآن هو أكبر دليل على ذلك.

ولنكون بالفعل منصفين، لا ننكر ما فعله تين هاغ مع اليونايتد في موسمه الأول، وسأستعرض إنجازاته معهم في (موسمه الأول):
- 20 انتصارًا؛ أصبح تين هاغ -في شهر يناير- أسرع مدرب يحقق 20 فوزًا كمدرب، متفوقًا حتى على السير فيرغسون من حيث عدد المباريات التي استغرقها ليحقق 20 انتصارًا.
- 21 تسديدة؛ عقب الفوز 2-0 في الدوري على إيفرتون في ملعب أولد ترافورد -في شهر أبريل-، سجّل اليونايتد الهدف الأول في الشوط الأول بعد 21 تسديدة على مرمى إيفرتون، وكان هذا أكبر عدد من المحاولات التي قام بها مانشستر يونايتد على حارس مرمى منافس في أول 45 دقيقة من مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز (منذ أن بدأت أوبتا في جمع الإحصاءات في 2003/2004).
- 27 انتصارًا في أولد ترافورد؛ في آخر مباراة في الدوري، بعد الفوز على فولهام، وصل مانشستر يونايتد إلى 27 انتصارًا، وعادل تين هاغ الرقم القياسي للفريق في أكبر عدد من المباريات التي فاز بها في أولد ترافورد في موسم واحد في جميع المسابقات.
- 23 هدفًا من البدلاء؛ ساهم البدلاء بـ 23 هدفًا من أهداف اليونايتد خلال موسم 2022/2023، توزعت بين ثمانية لاعبين مختلفين، ويتصدر ماركوس راشفورد القائمة برصيد سبعة من أهدافه الثلاثين، وهو أعلى معدل أهداف وصل إليه طوال مسيرته المهنية من على مقاعد البدلاء، وأنطوني مارسيال (5) وأليخاندرو جارناتشو (3) وفريد (3) وجادون سانشو (2)، بينما ساهم كل من أنطوني وسكوت مكتوميناي وكريستيانو رونالدو بهدف واحد من على مقاعد البدلاء.
- 43 هدفًا فقط؛ استقبل مانشستر يونايتد 43 هدفًا في 38 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهذا يجعل دفاع اليونايتد يحتل المركز الثالث في القوة في الدوري، وهو رقم متساوٍ مع آرسنال صاحب المركز الثاني خلف مانشستر سيتي ونيوكاسل يونايتد.
- تحقيق بطولة؛ حقق مانشستر يونايتد كأس الكاراباو بعد الفوز على نيوكاسل في ويمبلي، وأنهى تين هاغ فترة انتظار استمرت ست سنوات لتحقيق بطولة.
- الوصول للنهائي؛ وصل تين هاغ باليونايتد إلى نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، وحقق الوصافة.
- ولا ننسى أهم إنجاز لـ تين هاغ في موسمه الأول؛ حيث أنهى الموسم بالمركز الثالث في البريميرليغ، وتأهل لدوري أبطال أوروبا بعد غياب الفريق في الموسم الماضي.
- الوصول لنصف النهائي؛ بعد خروج الفريق من دوري الأبطال، لعب في الدوري الأوروبي، وتمكن من بلوغ نصف نهائي البطولة.
ولكن هذا الموسم 2022/2023، أسميه موسم "الإصلاح"؛ لأنه استلم اليونايتد في أسوأ حالاته، وتمكن من إصلاحه -تقريبًا- في أول موسم له، ولكنّه فشل في الاختبار الحقيقي في الموسم التالي، ولم يتمكن من التمسك بزمام الأمور في موسمه الثاني، بغض النظر عن العوامل المؤثرة على ذلك؛ لقد فشل تين هاغ فشلًا ذريعًا في ثاني موسم له في أولد ترافورد.

بالرغم من أنه أنفق في سوق الانتقالات مبلغًا يصل إلى 410 ملايين جنيه إسترليني، إلا أنه خيَّب آمال جماهير اليونايتد، فإن فريقهم على وشك أن ينهي الموسم في المركز الثامن، "للأسف.. نعم، في المركز الثامن"، ليصبح أسوأ مركز يحققه اليونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز - بشكل المسابقة الحالي التي بدأت عام 1992- ودون التأهل لبطولة أوروبية…
وأسوأ مركز حققه اليونايتد كان في موسم 2013-2014 تحت إدارة الاسكتلندي ديفيد مويس (المركز السابع)، ولكن مويس لم يكن لديه مثل الميزانية التي أُعطيت لـ تين هاغ!!
وبذلك سيسجل التاريخ أن أسوأ مركز حققه أكثر من فاز بالدوري الإنجليزي في التاريخ "فريق مانشستر يونايتد العريق"؛ كان على يد "قائد ثورة مانشستر يونايتد" تين هاغ.

بالنظر لجميع هذه الكوارث - وهدم ما تبقى من تاريخ اليونايتد-، من قِبل تين هاغ... قد يظنّ الجميع أنه سيخجل ويعتذر، ويترك مجالاً لمدربٍ غيره.. ولكن ما رأيناه عكس ذلك تمامًا؛ فلا يزال هاغ مُصرًا على رأيه ويقول إنه هو الرجل المناسب لقيادة اليونايتد -ولكن دون الإثبات في أرض الملعب- والغريب أنه صرّح بهذا القول عقب فضيحة سيلهورست بارك، بعد أن هُزِم فريقه برباعية دون رد، في أرض صاحب المركز 14 كريستال بالاس.

وبمناسبة هذه الهزيمة الثقيلة؛ سأعرض أبرز الأرقام القياسية في هذه المباراة:

- هُزِم مانشستر يونايتد 5 مرات في لندن وفي موسم واحد ولأول مرة في تاريخ النادي.
- حقق كريستال بالاس الفوز على مانشستر يونايتد ذهابًا وإيابًا لأول مرة في تاريخه.
- أسوأ سجل دفاعي للفريق منذ موسم 1976-1977، والذي شهد استقباله 81 هدفًا -حتى الآن فقط-؛ أي أن الرقم قابل للزيادة.
- خسارة الفريق 13 مباراة في موسم واحد لأول مرة في تاريخ البريميرليغ، وذلك كأكبر عدد من الهزائم في تاريخ مانشستر يونايتد.
- تعرُّض الفريق لأكبر عدد من التسديدات في موسم واحد بواقع 618 تسديدة.
وهذه الأرقام تحطمت بعد مباراة كريستال بالاس فقط... غير الكثير من الأرقام التاريخية التي حطّمها تين هاغ منذ مجيئه قبل موسمين، ليبقى السؤال المحيّر: «ماذا بقي من الأرقام لم تُحطَّم؟!»

ناهيك عن سوء مستوى بعض اللاعبين - أو الأغلب تقريبًا - وكان أسوأهم في آخر مباراة "كاسيميرو".. ففي مباراة كريستال بالاس فقط؛ خسر الكرة 16 مرة، وخسر 10 صراعات أرضية، وتمت مراوغته 8 مرات، وكان له أقل تقييم في المباراة (5.9).

ومن المخجل أن اللاعبين لم يقدّموا أداءً يليق بالدعم الجماهيري الكبير لهم - خارج أرضهم - ولم يخجلوا من تقديم هذا المستوى المُخزي وخلفهم أولئك الجماهير الوفية، ومن المخجل كذلك ما قام به تين هاغ حين انتهت المباراة، فقد غادر ملعب المباراة بينما كان اللاعبون يعتذرون من الجماهير الحاضرة. "هل هذا تصرّف المسؤول الأول عن الفريق والرجل الأهم فيه؟" لا أعتقد أن هذا التصرف يليق بمدرب فريق كبير بمثابة مانشستر يوناتيد "على الأقل إذا لم تحترم نفسك، احترم هذا الفريق العريق وجماهيره"... والمضحك أنه قال بعد الهزيمة الكبيرة: «إنها الهزيمة الرابعة لنا فقط منذ بداية السنة الجديدة».
ولكن إذا كانت هذه الهزيمة الرابعة منذ بداية السنة، هل باقي المباريات كانت فوزًا؟ "الجواب لا"؛ -يا رجل، معظم المباريات أنهيتها بالتعادل ونجوت بأعجوبة من خسائرها!-
ومن خلال حديثه وتصرفاته هذه - الموجهة بحق النادي -؛ أظن أن وقت رحيله قد حان - وكذلك بعض اللاعبين معه-.

إلى الآن لا أملك رأيًا نهائيًا فيما يخص تين هاغ وأداءه مع مانشستر يونايتد، قدم أداءً جيدًا "نعم" ولكنه قدّم أداءً أسوأ، وأعتقد أن سلبياته تفوق إيجابياته؛ لأنه لم يُحقق استقرار الفريق معه، وما يحتاجه اليونايتد هو الاستقرار - الذي لم يعرفه منذ رحيل السير -، ولا يحتاج الفريق ما هو عكس ذلك؛ التذبذب في المستوى و"التخبط". وأما في الوقت الراهن أرى أن إقالة تين هاغ أولوية لليونايتد، إذا أرادت الإدارة النجاح.

فقد تبقى لليونايتد ثلاث مباريات فقط في الدوري الإنجليزي هذا الموسم، وجميعها ضد فرق ليست بالسهلة (آرسنال، نيوكاسل، برايتون)، وجميعها ستُلعب في أولد ترافورد - ما عدا مباراة برايتون -، لكن هذه المباريات المتبقية فرص اليونايتد في الفوز فيها ضئيلة - ولو كانت في أولد ترافورد - فقد لم يعد كما كان… ذلك الملعب الذي تخشاه الأندية في إنجلترا، فقد افتقد هيبته بعد السير.. وأكمل تين هاغ إهانته. 
وأصبح اليونايتد على مشارف موسم خالٍ من البطولات؛ في حال خسارته أمام جاره مانشستر سيتي في نهائي كأس الاتحاد، وفي الغالب سيخسر النهائي، وسيخرج بموسم خالٍ من البطولات.
الألقاب والبطولات التي حققها السير الكيس فَيرغسون
إذًا كلنا يعلم كيف أصبح حال الفريق بعد "السير فيرغسون" - أو بالأصح مانشستر يونايتد -.. فأنا لازلت أعتقد أن اليونايتد هو السير، لأن اليونايتد قبل وبعد فيرغسون شيء، ومع فيرغسون شيء آخر تمامًا.. والدليل على ذلك؛ أن الفريق حقق أربع بطولات فقط - حتى الآن - بعد رحيل السير فيرغسون في عام 2013، مع العلم أن مرّ على رحيله من الفريق واعتزاله قرابة 11 عامًا!! ولم يحقق فريقه بعد رحيله سوى أربع بطولات فقط؛ وذلك بمعدل بطولة واحدة كل ثلاثة مواسم تقريبًا.. وأما عن حال الفريق قبله، فهو تقريبًا مشابه لحال الفريق بعده - مع فارق الزمن -؛ لأنه بين تأسيس اليونايتد وتعيين السير كمدرب له مرّت 99 عامًا، وفي الـ27 عامًا التي قضاها فيرغسون مع اليونايتد تمكّن من تحقيق 38 بطولة؛ أكثر مما حققه الفريق طوال الـ99 عامًا الماضية، إضافة إلى الـ11 عامًا بعد خروجه.. وهذا يُثبت لنا أن اليونايتد بالفعل هو "السير اليكس فيرغسون".

واختم المقال بهذه البيتين التي تمثّل حال اليونايتد، لأبو البقاء الرندي :

هي الأمور كما شاهدتها دُولٌ
مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد
ولا يدوم على حالٍ لها شانُ


المقالة التالية المقالة السابقة