وداعًا في السطوع.. وأهلًا في السكون

في الكواليس، يَسْتَعِدُّ الفتى لمُسْتَهَلِّ مسيرته المهنيّة على خشبة المسرح، مُتَحَمِّسًا، خائفًا، ومُتَفَائِلًا بأنّه سيُصْبِح نجمًا لامعًا ومُجَدِّدًا بارعًا.


✳︎✳︎✳︎✳︎


بجانبه، الأستاذُ الأشيَبُ يقضي ليلةً من عمره هي الأخيرة، ويُدَنْدِنُ بأبياتِ تلاقٍ ووداعٍ، مُسْتَشْعِرًا أنّه كان في صميمِ واقعٍ كفَتًى مُحاذٍ له؛ يَنْظُر إلى الفتى الذي اختار هذا المسار مثلَه، وأنّه شغِفَ به كما هو، ويتساءل: هل سيُصْبِح مثلَه؟


✳︎✳︎✳︎✳︎


وَثَبَ الفنّانُ القدير، والأستاذُ الأشيَبُ، من كرسيّه، وأخذ يدور حوله مُنْشِدًا:

اللّيلُ، والسوقُ القديم

خَفَتَتْ به الأصواتُ، إلّا غَمْغَماتِ العابرين

وخُطى.. الغريب

وما تَبُثّ الريحُ من نَغَمٍ حزين

في ذلك الليلِ البهيم

اللّيلُ، والسوقُ القديم، وغَمْغَماتُ العابرين

والنورُ تَعْصِرُهُ المصابيحُ الحزانى في شحوب

مثل الضبابِ على الطريق

من كلّ حانوتٍ عتيق

بين الوجوهِ الشاحبات

كأنّه نَغَمٌ يذوب

في ذلك السوقِ القديم

كم طاف قبلي من غريب ‹1›


✳︎✳︎✳︎✳︎


ها هي السّتائرُ تتباعد عن بعضها، ليبدأ الفصلُ الجديد؛ بدأت المسرحيةُ الأولى للفتى المُبتدئ، والأخيرة للفنّان المُعتزل.


✳︎✳︎✳︎✳︎


تساقطت الظلال، وظهرت الأنوار، وانتهت المسرحية. وأدّى كلٌّ من الفتى وأستاذه الضمني ببراعةٍ أدوارهما، ولم يكن هناك فرقٌ جليّ بين واقع الأستاذِ المعتزلِ في آخر مسرحيةٍ في مسيرته، وتمثيله فيها.


✳︎✳︎✳︎✳︎


الخاتمة: فرأى وأغمض مقلتيه وغاب في الليل البهيم ‹1›


‹1› في السوق القديم، بدر شاكر السياب                            


بقلم: عمر


المقالة التالية المقالة السابقة