اغتراب المستديرة

كريستيانو رونالدو، ليونيل ميسي :كرة القدم بالنسبة لي

إنني أصدقكم القول بأني أنِفتُ كرة القدم وعزفت عن مشاهدتها عزوفاً -ولي أسبابٌ سأذكرها فيما بعد- فما عدتُ متلهفاً للقمم والمباريات الهامة -فضلاً عن الاعتيادية- وكذلك صددتُ عن اقتفاء آثارها.. بعد أن كنت قارئاً نهماً، حذقاً ومطّلعاً على كل ما يتعلق بعالم المستديرة خارج المستطيل الأخضر وداخله؛ ولا أخفيكم سراً أنّ يومي كله من الغدوّ إلى الآصال كان عبارة عن قراءات موسعة في شتى الصحف والمواقع؛ إسبانيةً كانت أو إنجليزيةً وفرنسيةً أو عربيةً.. إلخ، أردفها بمشاهدة فيديوهات تحليلية أو مشاهدة ملخصات لمباريات عفا عليها الدهر... ملتقطاً كل شاردة وواردة، باحثاً عن الدقيق قبل الجليل، كاتباً وناقداً ومحللاً على إثرها.

وهكذا استمررتُ لسنوات دون كلل؛ وأظن أن هذه الكيفية هي أحد مسوّغات فتوري الآن، وأصدقُ القول في هذا المقام بالتمثّل بالمثل الشعبي الشهير: "ما زاد عن حدّه انقلب ضده"؛ فقد كان طبيعياً بالنسبة لي الاستمتاع بكثيرٍ من المباريات، سواء من "الليغ وان" و"التشامبيون شيب" أو من دوري "يلو" وما دونه؛ وحقيقةً وجدت في هذه الدوريات أفكاراً لا تجدها في سواها، وبالمناسبة هي أمتع بالنسبة للمهارات الفردية والتكتيكات المبتدعة، لكنها أشد تطرفاً فيما يتعلق بالمناوشات وإضاعة الوقت.

وعموم ذلك أضاف لي، ووسّع أفقي، وفتق ملكتي التحليلية التكتيكية، وحصيلته كثيرٌ من المقالات المنشورة هاهنا وعبر حسابي في (X)، وغيرُ المنشورة أكثر -ولله الحمد والمنة- .. كانت هواية وهي خيرٌ من الفراغ طبعاً، ولا يخفى عليكم أنها علوم وتخصصات ومصدر رزق لكثير من الناس ومنهم أنا، -وإن لم يكن رزقها مالاً بالنسبة لي، فإنه كان أعز، وهو المتعة والسعادة-.

أما اليوم.. فحسبي من كرة القدم شذراتٌ أمرّ عليها مرور الكرام في تطبيقات التواصل الاجتماعي، معلقاً على ما شاء الله لي منها.. وغير ذلك مشاهدة مباريات معدودة؛ إما قممٌ قمم -وخاصة قمم دوري روشن السعودي- أو مباريات المنتخب السعودي وهي قليلة. وفريقي إن خسر المباراة قلت "حظاً أوفر"، وإن فاز فبها ونعمت، لست مهتماً أبداً.

عوداً على بدء، مجيباً عن الأسباب.. أولها: وهو أهم سبب، أني افتقدت المتعة حق الافتقاد، فقد كثرت المباريات وعزّت المتعة فيها.. من مهارات فردية وأهداف خنفشارية أو جمل تكتيكية كلاسيكية ممتعة.. إلخ. أضحى اللاعبون آلات في الملعب، لا يوجد في التزامهم الصارم دهشة جمالية ولا تمريرة ارتجالية إلا ما ندر. وثانيها: اعتزال من اعتدنا عليهم وعلى سحرهم في الملعب، أضف إلى ذلك أنه رغم بزوغ نجم كثيرين، إلا أنهم لم يكونوا خير خلف لهم.. فيا ليت الزمان يعود يوماً!

ثالثها: أسباب شخصية متعلقة بتقلب الزمان ودورانه، واختلاف الاهتمامات وتنوع مصادر أخرى تورث لي ما كانت تورثه كرة القدم وأحسن منها.

رابعها: صدقاً.. لا أذكر سوى ما ذكرت آنفاً، وشكراً لكم على القراءة.


بقلم: عبدالعزيز

المقالة السابقة