تحدّيات منافسة أوروبا

بعد عقود من الإحتكار الأوروبي لكرة القدم؛ هل بات هنالك منافس للقارة العجوز؟! 
تعتبر كرة القدم في أوروبا رياضة مرادفة للثقافة والهوية، وقد هيمنت الأندية الأوروبية منذ فترة طويلة على الساحة الكروية الدولية، سواء من حيث الإنجازات أو القيمة التسويقية، وتتمتع أندية مثل ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر يونايتد وبايرن ميونيخ بقاعدة جماهيرية ضخمة في جميع أنحاء العالم، وتجذب استثمارات ضخمة وصفقات رعاية كبرى، بالإضافة إلى فرق أخرى في دوريات مرموقة مثل الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا.

ومن ناحية أخرى، تحاول دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز مكانتها الكروية، وعلى الرغم من أن الرياضات الأخرى مثل كرة القدم الأمريكية والبيسبول وكرة السلة أكثر شعبية هناك، إلا أن الاهتمام بكرة القدم يتزايد، ويرجع ذلك جزئيًا إلى نجاح الدوري الأمريكي لكرة القدم (MLS) والاستثمارات التي تضخ فيه، بالإضافة إلى النجاح المتزايد للمنتخبات الوطنية الأمريكية في المسابقات الدولية.

أما بالنسبة للسعودية، فهناك شغف هائل بكرة القدم وثقافة كروية قوية مع منافسة شديدة في الدوري المحلي، وشهدت المملكة العربية السعودية استثمارات متزايدة في الرياضة لتعزيز مستوى اللعبة والبنية التحتية، وتسعى المملكة العربية السعودية أيضًا إلى كسب المزيد من الاهتمام العالمي من خلال استضافة الأحداث الرياضية الدولية والشراكات المتنامية مع الأندية واللاعبين الدوليين. 

وهذا المسعى ليس بسيطا، فهو يتطلب جهودًا لمواجهة الهيمنة الأوروبية، ولكن من خلال الاستثمارات الذكية والتخطيط المدروس، يمكن لدول مثل المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة تغيير ميزان القوى في كرة القدم العالمية مع مرور الوقت. 

يمكن أن تكون الرياضة أداة لنظرة أوسع من مجرد اللعب على أرض الملعب، وتمكنت الاستثمارات القادمة من دول مثل الإمارات والسعودية في أندية مثل مانشستر سيتي ونيوكاسل يونايتد، وقطر في باريس سان جيرمان، من البروز كقوى مؤثرة في عالم كرة القدم.

أغنى ملّاك الأندية العالمية وتصدّر العرب «الشرق»
وهذه الاستثمارات التي تضخ أموالا طائلة في الأندية، أعطتها ميزة تنافسية، حيث قدمت الدعم المالي للحصول على أفضل اللاعبين والطاقم التدريبي، وكذلك تجديد البنية التحتية والمرافق بما يتوافق مع أعلى المعايير العالمية، ويسلط النجاح الذي حققته هذه الأندية الضوء على دورها كأدوات تؤدي إلى نشر التأثير الثقافي وتعزيز الصورة الإيجابية للدول المستثمرة، كما يمكنهم المساهمة في دعم العلاقات الدبلوماسية والسياسية من خلال عالم كرة القدم؛ ولكن هذا الوضع لا يخلو من إثارة بعض التوترات، إذ قد ترى الأندية وقطاعات المجتمع الراسخة في هذه الاستثمارات تهديدًا للتقاليد والتوازن في عالم كرة القدم .. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار الأثر الكبير الذي أحدثته هذه الاستثمارات على الساحة الرياضية، ولعل هذا أمر يحتاج إلى التفكير عن كيفية إيجاد التوازن الذي يضمن استمرار اللعبة في تقديم الإثارة والمتعة مع الحفاظ على مبادئ العدالة والقدرة التنافسية. 

المنافسة الاقتصادية 
في عالم كرة القدم اليوم، أصبحت الاستثمارات الكبرى التي تقودها دول الخليج موضوعاً ساخناً يستحوذ على اهتمام الصحافة الرياضية والدوائر المالية .. ومع اكتساب هذه الدول لأندية كبرى، ترتفع الأصوات لمناقشة الآثار الاقتصادية والرمزية لمثل هذه التحركات.

صرف الأندية السعودية في الميركاتو الصيفي وتصدّر نادي الهلال «الشرق»
وتأتي الاستثمارات الضخمة من دول الخليج في إطار استراتيجيات تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد كليًا على النفط كمصدر اقتصادي رئيسي بالنظر للمستقبل، وتزايد شراء أندية كرة القدم الأوروبية والاستثمار في البنية التحتية والشباب و الفرق هي جزء من تلك الإستراتيجية الأوسع، فتجد الأندية الأوروبية ذات التاريخ الطويل في كرة القدم نفسها أمام منافسين جدد قادرين على استثمار أموال ضخمة لجذب أفضل اللاعبين والمدربين في العالم .. ومن المؤكد أن هذا يعيد تشكيل قواعد اللعبة، حيث وجدت الأندية التي اعتمدت على الانتماء الجماهيري أو السمعة التاريخية نفسها مضطرة إلى إعادة التفكير في سياساتها المالية لتظل قادرة على المنافسة. 

- قضية السيادة والنفوذ لا تقتصر فقط على الإعلام والثقافة الشعبية، بل إنها تتغلغل عميقًا في الرياضة باعتبارها عنصرا مهمًا من عناصر الهوية، والاستثمارات في أندية مثل مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان تظهر إرادة دول الخليج لفرض حضورها وتأثيرها على الساحة العالمية من خلال الأنشطة الرياضية. -وهذه الاستثمارات؛ فهو لا يمثل تغييراً في هيكل كرة القدم فحسب، بل إنه يمثل أيضاً تعبيراً عن تحول القوى الاقتصادية على مستوى العالم؛ لكن يبقى السؤال: كيف سيتم استخدام هذه التغييرات لخدمة الرياضة والجماهير على المدى الطويل؟ كيف ستتكيف الأندية الأوروبية لتحافظ على قدرتها التنافسية وتقاليدها؟

صراع القيم والمبادئ في النسيج الاجتماعي الغربي
لقد كانت هناك دائمًا تصورات مسبقة وصور نمطية تشكل فهم الناس للثقافات الأخرى، وغالبًا ما تكون لهذه التصورات المتعلقة بالعرب -والمسلمين على وجه الخصوص- جذور عميقة في التاريخ، وتأتي نتيجة لعدة عوامل وتشملها الجهل والخوف من المجهول، والصراعات السياسية، والمواقف الإعلامية التي تغذي بعض الصور النمطية.
وفي السياق الثقافي الحديث، يُلاحظ أن هذه الصور النمطية تتبلور عادة حول مفاهيم خاطئة عن العرب - والمسلمين عمومًا -... ولا بد من التأكيد على أن الواقع أكثر تعقيدًا وتنوعًا من هذه الأحكام المسبقة، ولكن تكرار هذه الصور يؤدي إلى لرسم صورة مختلفة عن الواقع في أذهان الكثيرين... ففي الوقت الذي تسعى فيه دول الخليج إلى نشر نفوذها عالميًا من خلال الاستثمارات الثقافية والرياضية -مثل شراء أندية كرة القدم الشهيرة- قد تُستقبل هذه الجهود بنوع من السخرية أو المعارضة النابعة من الصور النمطية المسبقة، وجزء من الموقف السلبي للغرب تجاه العرب، يعكس إرثًا طويلًا من التشويه الإعلامي والسرديات المتحيزة التي شكلت وجهات النظر الشعبية. 

ولكن تذمر الغرب تجاه هذه الاستثمارات متوقّع، لكن ماذا عن أولئك العرب؟!

هنالك عدة أسباب؛ استنتجتها بعد رحلة بحثية قصيرة، أولًا الاختلافات الاقتصادية؛ يعتبر بعض العرب أن الفوارق الاقتصادية الواضحة بين بلدانهم ودول الخليج تؤدي إلى تفاقم مشاعر عدم المساواة والحرمان، حيث تستثمر المليارات في أندية كرة القدم، بينما يعاني آخرون في الدول العربية من نقص الخدمات الأساسية. ثانيًا الهوية والانتماء؛ قد ينظر البعض إلى الاستثمارات الخليجية في الأندية الرياضية كوسيلة لتصدير الثقافة والنفوذ الخليجي، مما قد يخلق شعوراً بأن الهوية العربية تتأثر أو تختفي بسبب هذه الاستثمارات الضخمة. 
ثالثًا الدعم والولاء الرياضي؛ قد يشعر البعض أن زيادة الاستثمارات الخليجية في الرياضة قد تؤدي إلى تغيير موازين القوى في الرياضة، وقد يكون ذلك مصدر قلق لجماهير الأندية التي لا تتمتع بنفس القدرات الاقتصادية. 
رابعًا التنافسية في الرياضة: والتخوف من أن سيطرة الأندية ذات الدعم المالي الضخم قد تضر بالمنافسة في الرياضة على المستوى الإقليمي والدولي.. وثمة عدة أسباب أخرى ولكن هذه أبرزها.

أخيرًا؛ مما يستفزني هو تعليق "بعض العرب" على كلّ حدثٍ في الدوري السعودي، بـ"تصريح توني كروس" -الذي لا أعلم مامدى صحته- فقد قال "إن العرب لايعرفون عن كرة القدم إلّا اسمها". قاصدًا فيه العرب عامة وليس السعودية أو دول الخليج خاصة؛ وهذا مما يوضح لنا خضوعهم للغرب وعدم دعمهم لتقدم الدول العربية.


المقالة التالية المقالة السابقة