ماذا قال كرويف؟

اختلف عشّاق كرة القدم في اختيار أفضل لاعبٍ في تاريخها، فالبعض قال ميسي، والبعض الآخر قال رونالدو. وجاء من يخالفهم الرأي فقال: "لا يوجد لاعب في هذا الجيل يوازي مستوى لاعبٍ من جيلنا القديم!" هنا يظهر أن الاختلاف في الزمن منطقي بعض الشيء، فبطبيعة الحال لم تكن الملاعب، التكتيكات، أساليب اللعب -بل وحتى اللاعبين أنفسهم- قبل 20-30 عامًا بنفس الجودة والتطور الذي هي عليه الآن. فإن كرة القدم لا تزال تتطور وتتغير يومًا بعد يوم، مما يجعل المقارنة بين اللاعبين أمرًا صعبًا بسبب اختلاف المعايير بين الأزمنة.

وهذا فيما يخص المقارنة بين لاعبين من أجيال مختلفة، وأرى أن الجماهير الواعية لا تميل لهذا النوع من المقارنات. فلا يمكن أن نقارن لامين يامال بـ بيليه، حتى وإن سجل يامال ضعف أهداف بيليه وحقق ضعفي بطولاته؛ وذلك للاختلافات الكبيرة التي طرأت على كرة القدم منذ اعتزال بيليه وحتى بداية مسيرة يامال. ربما سجل بيليه هدفًا يعتبر في زماننا هذا تسللًا، ونفس الأمر ينطبق على يامال؛ فقد يرتكب خطأً لو كان في ذاك الزمن لطُرد مباشرةً... وهكذا الحال مع كل جيل.

وتزداد الأمور تعقيدًا حتى لو كان اللاعبون في الحقبة الزمنية ذاتها -وإن كانت قصيرة- فالدوريات تختلف، وأساليب لعب المدربين تختلف، ومستوى المجموعات يختلف، وهكذا... لذا أرى أن أعدل مقارنة في تاريخ كرة القدم، بالرغم من صعوبتها، هي مقارنة ميسي ورونالدو؛ لأسباب كثيرة لن أتطرق لها، لما تحتويه من آراء عاطفية، أرقام خاطئة، مغالطات، وما إلى ذلك... ففي هذه اللعبة تختلف أشكال المقارنات ومعاييرها؛ فهناك المقارنة بين الأندية، والمقارنة بين رؤساء الأندية، والمدراء التنفيذيين، والمدربين...

أما في هذا المقال فلا توجد أي مقارنة؛ إنما كانت تلك مقدمةً لطرح رأيي تمهيدًا لمناقشة موضوع المقال. فلا زلت مُصرًا على رأيي: أن يوهان كرويف هو أفضل لاعب ومدرب، بمعنى أنه تألق في كلا المهنتين وأضاف لمسته فيهما. فأنا لا أتكلم عن بطولات أو ما شابه، بل عن (كرة القدم) وما يحدث داخل المستطيل الأخضر. على سبيل المثال، زيدان لاعب متألق ومن أساطير كرة القدم، ونفس الأمر ينطبق عندما دخل مهنة التدريب، فقد يتفوق على كرويف بلغة الأرقام، لكن قد تجد أن هناك أفكارًا تكتيكية واستراتيجيات لعب كان يستخدمها زيدان وابتكرها يوهان كرويف! لذلك أرى أن كرويف أبدع في المهنتين (اللاعب والمدرب). أما بالنسبة لي شخصيًا، فأنا أهتم بالجمل التكتيكية، والتحركات، والتكنيكات، أكثر من أي شيء آخر يحدث في الملعب. وفي هذا المقال سأعرض بعضًا من مقولات الأسطورة يوهان كرويف وأعلّق عليها.

"لا تركض كثيرًا، كرة القدم تُلعب بالعقل" 

من أهم النصائح للفوز في المباريات؛ فغالبية المباريات -مثل النهائيات- تُلعب بالعقل لا بالجهد، وهذا يعتمد في الغالب على المدرب واللاعبين. فبعض المدربين يعتمدون على جهد لاعبيهم لا على استراتيجياتهم، فيُركّزون على لياقة اللاعبين أكثر من التزامهم التكتيكي. بعض اللاعبين قد يمررون من منتصف الملعب فيساهمون في تسجيل هدف دون أي مجهود بدني يُذكر -وهذا لا يعني التقليل من شأنهم-. في المقابل، تجد لاعبًا يقطع مسافات طويلة ويتواجد في معظم مناطق الملعب، ويتراجع لاستلام الكرة ثم يصعد بها إلى مناطق الخصم ويبذل جهدًا بدنيًا عاليًا، وفي النهاية لا يصنع هدفًا ولا يسجل، بل ربما يتسبب في هجمة مرتدة تؤدي إلى هدف على فريقه؛ وذلك بسبب المجهود الذي بذله في البداية، مما يمنعه من العودة للدفاع بنفس سرعته التي هاجم بها. هناك العديد من المباريات التي تجسد هذا الموقف، ومن أبرزها نهائي دوري أبطال أوروبا 2022؛ حيث بذل لاعبو ليفربول ضعف الجهد الذي بذله لاعبو ريال مدريد، وفي النهاية فاز الريال بعد أن اعتمد على الهجمات المرتدة والدفاع، وتييبو كورتوا بشكل كبير. وكان هذا الأسلوب المنطقي في مباراة بحجم نهائي الأبطال، ضد مجموعة ليفربول المرعبة آنذاك.

"إذا كنت تملك الكرة، فيجب أن تجعل الملعب كبيرًا قدر الإمكان. وإذا لم تكن لديك الكرة، فيجب عليك أن تجعله صغيرًا بقدر الإمكان"

 هذا يُلخص أساليب اللعب كلها. فإذا كان الفريق يملك الكرة، فعليه أن يجعل الملعب أكبر بإجبار الخصم على فتح مساحات واسعة وصعود اللاعبين للأمام لتسهيل الوصول إلى مناطقهم. أما عند الدفاع، فيجب تغطية كافة أنحاء الملعب وتضييق المساحات على الخصم، والدفاع ككتلة واحدة دون ترك ثغرات... وبالمختصر: يتعلق الأمر بتمركز اللاعبين في الحالتين (الهجومية والدفاعية).

"ما الذي يمنعك من التغلب على نادٍ يملك مالًا أكثر؟ لم أر قط كيسًا من المال يسجل هدفًا" 

هذا ما يحتج به غالبًا المدربون أو اللاعبون عند الخسارة أمام فريقٍ يفوقهم قيمةً سوقية. لكن كرة القدم لا تُلعب بالمال، إنما بالمهارة والجهد. فليس بالضرورة أن يفوز فريقٌ يضم في هجومه ميسي، ومبابي، ونيمار على فريقٍ لا يعرف أحدٌ أسماء لاعبيه. في هذا العصر، أصبح فوز الفريق الأضعف ماليًا أمرًا واردًا، على عكس الماضي، حيث كان الفريق الأقوى ماليًا غالبًا ما يفوز. في المواسم الأخيرة، أصبحت هذه المفاجآت أمرًا معتادًا، مثلما يحدث في دوري روشن السعودي. هناك فرق لا تضاهي ميزانيتها قيمة لاعب واحد من فرق صندوق الاستثمارات العامة، لكن في النهاية قد تفاجأ بفوز هذا الفريق. مثال على ذلك: فريق الجندل أخرج النادي الأهلي من كأس الملك رغم أن معظم لاعبيه هواة، وقيمتهم السوقية أقل من راتب شهر واحد لأحد نجوم الأهلي. وينطبق ذلك على أغلب بطولات كرة القدم في العالم...

بالطبع، يوهان كرويف له فضل كبير على كرة القدم، ولم يكن مجرد اسم في عالم المستديرة بل أكثر من ذلك. فلم تُخلد هذه المقولات في التاريخ إلا بعد أن أدرك كرويف معنى كرة القدم بعدما أفنى عمره فيها.


بقلم: عبدالعزيز 

المقالة التالية المقالة السابقة