عذبُ الطّلب
تحدّثتُ فأقول: لا شيء يضاهي لذّة العلم والسعي إليه وأنت صغير، فهي لذّةٌ تدوم إذا أفنيت عمرك في طلبه، ثم نظرتَ إلى ما عملتَ فوجدته مثمرًا وأنت شيخ كبير. وهذا حال العلماء الأكابر والمشايخ الأجلّاء، وبعضهم يندم على ما فرّط فيه، وهو قليل. فماذا نقول نحن عن أنفسنا وقد فرّطنا تفريطًا كبيرًا؟
تقليبُ صفحات أُمّهات الكتب من بكرة الصباح في أروقة مسجد رسول الله ﷺ مشهدٌ طالما تمنّيتُ أن أكون من أهله، أو معهم، أو مثلهم؛ أهلُ هِمّةٍ عالية، هِمّةِ أهل العلم. ولهذه الرحلة لذّة ومتعة عظيمة، سواءٌ للمنقطع أو للمستمرّ. وما أجمل شعور الشيخ حين يتذكّر بعد أن صار عَلاّمةً كيف كان يبحث عن المسائل يوم كان طويلب علم! إنها مشاعر العلم والصلاح ـ إن شاء الله ـ في البدء والختام وكل حين.
وقلتُ: خصوصًا عند البدء بالمتون الصغار مثل بلوغ المرام وعمدة الأحكام وغيرها؛ فلهذه المتون لذّة خاصّة حين يدرك طالب العلم نفعها الدنيوي والأخروي عند حفظها وإتقان مسائلها. وليس أجمل من ذلك إلا الشروع في المطوّلات، فهناك يدرك طالب العلم أنه تقدّم في العلم والعُمر، وأنّ ما حفظه ودرسه وقرأه لم يذهب سُدى، بل هو الذي مكّنه من الولوج إلى هذه الكتب المطوّلات الصعاب.
وقد أعجبني أن أورد هنا ما جاء في كتب التفسير واللغة عن مادّة "سُدًى" استطرادًا لما سبق. قال الطبري في جامع البيان:
«حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}، قال: السُدَى: الذي لا يُفترض عليه عمل ولا يعمل».
والسُدَى في اللغة: المهمل، يقال: أسديتُ إبلي إسداءً أي أهملتها.
وفي التصريف: سُدًى صفةٌ مشتقّة للواحد والجمع، يقال: «إبلٌ سُدًى» أي مهملة. والألف منقلبة عن ياء، وقيل عن واو.
وجاء في المصباح: «سَدِيَتِ الأرضُ فهي سَدِيَّة (من باب تَعِب) كثر سَداهَا. وسَدَا الرجلُ سَدْوًا (من باب قال) مدّ يده نحو الشيء، وسَدَا البعيرُ سَدْوًا مدّ يده في السير. وأسديته: تركته سُدًى أي مهملاً».
ونسأل الله العفو والعافية والصلاح والثبات. وإليه تُصير الأمور، وبه نستعين.
