من هو المشجع الحقيقي؟
أثناء تصفحي أحد برامج التواصل الاجتماعي شاهدت فيديو لإعلامي رياضي سعودي - مهتم بكرة القدم المحلية - يتحدث عن مشجعي كرة القدم، ويقول إننا «عشاق كرة القدم» نتنفس كرة القدم، وأضاف: إذا كنا نرى شخصاً لا يتابع كرة القدم نتعجب منه؛ أي كيف يمكنه العيش بدون كرة القدم؟ وعندما انتهيت من مشاهدة هذا الفيديو بدأت أفكر... هل المشجع الذي يتابع كرة القدم في بلده فقط يعتبر مشجعاً حقيقياً لكرة القدم، وهو لم يشاهد كرة القدم إلا في مكان جغرافي واحد فقط.
على سبيل المثال: أحد المشجعين الإيطاليين في الفترة ما بين 1990 و2009، كان معزولاً عن مشاهدة كرة القدم سوى في بلده إيطاليا، وكان أسلوب اللعب الأكثر شعبية في الدوري الإيطالي آنذاك هو "كاتيناتشيو" الدفاعي، وهذا المشجع الإيطالي لم يشاهد كرة القدم في بلدان أخرى، ولم يرى أي أسلوب لعب مختلف عن الكاتيناتشيو.. وكرة القدم في نظره قد تكون عبارة عن عدم استقبال الأهداف واللعب بشراسة دفاعية و"جرينتا" وكأنها حرب، ويرجع ذلك إلى عدم إلمامه بثقافة كرة القدم في الدول الأخرى ومفهوم كرة القدم لدى الشعوب الأخرى، وفي هذه الحالة... هل يعتبر هذا المشجع من محبي كرة القدم أم من محبي أسلوب لعب فريقه أو بلده؟
في رأيي هذا المشجع ليس من مشجعي كرة القدم؛ لأن مصطلح "كرة القدم" يعتبر أشمل... لأنه يشمل الجلد المنفوخ الذي يلعب بالقدم - بشكل عام - سواء في الشوارع والحدائق العامة أو في الدوري الإنجليزي وكأس العالم، ولعل هذا المشجع لن يقبل أساليب واستراتيجيات لعب مختلفة غير التقليدية التي اعتاد عليها، وبالتالي فهو من محبي أسلوب لعب معين وليس كرة القدم بشكل عام.
لكن في عصرنا الحالي أصبح من السهل مشاهدة جميع الدوريات، على عكس الماضي، عندما كان المشجع لايمكنه مشاهدة المباريات إلا في مدينته أو بلده وفي الملعب فقط؛ قبل النقل التلفزيوني وبث المباريات، وربما حتى بعد البث التلفزيوني لم يكن من السهل مشاهدة جميع المباريات -أو معظمها- وأحد الأسباب هو أن أغلب الدوريات كانت تبث مبارياتها على التلفاز فقط داخل المنطقة التي أقيمت فيها المباراة -ولا يزال هذا الأمر موجودا حتى الآن في إنجلترا -، لكن في الوقت الحاضر أصبح معظم متابعي كرة القدم على دراية بمشاهدة معظم الدوريات، وخاصة الدوريات الخمس الكبرى، وأصبح من النادر أن ترى مشجعا لا يتابع الدوريات الأوروبية الكبرى وخاصة الدوري الإنجليزي والإسباني وكذلك دوري أبطال أوروبا.
الدوري الإنجليزي الممتاز
وفي هذه الفترة الكروية التي تكون فيها الكرة الإنجليزية في ذروتها وأقوى من أي وقت مضى، أرى أن مُشاهد الدوري الإنجليزي هو الذي يعتبر عاشق لكرة القدم بشكل عام؛ لأن الدوري الإنجليزي حاليا أكثر تعدداً وتنوعاً من حيث أساليب اللعب والخطط والتكتيكات والاستراتيجيات، وكذلك يضم نخبة المدربين واللاعبين من مختلف بلدان العالم؛ وهنالك 513 لاعباً من 56 جنسية مختلفة يشاركون في الدوري الإنجليزي الممتاز، وفي الدوري الإنجليزي يمكنك رؤية مهارات اللاعبين الأوروبيين.. مراوغات أبناء السامبا وأمريكا الجنوبية.. صلابة الإيطاليين.. فنيّات الإسبان.. قوة اللاعبين الأفارقة وسرعتهم.. جودة اللاعبين الإنجليز.. وإمكانيات اللاعبين الآسيويين؛ كل هذا التنوع وأكثر في الدوري الأمتع والأفضل في العالم « الدوري الإنجليزي الممتاز» .. المعنى الحقيقي لكرة القدم
ومن وجهة نظري أرى أن الدوري الإنجليزي هو الدوري الوحيد في العالم من حيث تنوع ثقافات اللعب - بغض النظر عن الدوري الإيطالي في فترة سابقة من الزمن - عندما كان يضم نجوم العالم، ولكن لم يكن مثل الدوري الإنجليزي من حيث التنوع في ثقافات وأساليب اللعب كرة القدم؛ وأعتقد أن كرة القدم جزء من نسيج البلاد وثقافتها، وعلى سبيل المثال هناك ثلاثة مشجعين محليين: مشجع برازيلي، ومشجع سعودي، ومشجع صيني؛ جميعهم منغلقون عن مشاهدة ثقافات كرة القدم الأخرى
- برازيلي يدعم نادي مدينته سانتوس، يلعب فيه اللاعبون المحليون، أبناء سانتوس، الذين اعتادوا اللعب في الأزقة والشوارع والأماكن الضيقة، ويعتمدون أكثر على المهارات والمراوغات الفردية ولم يسبق للاعبي هذا الفريق أن احترفوا في الخارج، وكذلك المدرب من أهل هذه المدينة... ويرون أن كرة القدم هي السبيل الوحيد للخروج من الأحياء الفقيرة... وبالتالي أصبح الفريق جزء من هوية المدينة، وذلك المشجع يرى كرة القدم بالنسبة له مهارات ومراوغات ومجهود فردي وسرعة، وقد تجده يكره أساليب اللعب الأخرى كاللعب الدفاعي لأنه يجد متعته في الكرة السريعة والمراوغات والأهداف الكثيرة.
- مشجع سعودي من مدينة الرياض يشجع نادي الشباب، النادي الذي أغلب نجومه من المحترفين الأجانب ويتغير اللاعبون الأجانب كل موسم، الفريق لا يبقى في مستوى ثابت، ولا يملك أسلوب لعب ثابت، ولا يملك هوية واضحة .. والأمر نفسه ينطبق على المدربين، وكلما جاء مدرب من مدرسة مختلفة يطبق أفكاراً أخرى قد تختلف 360 درجة عن خطط المدرب الفني السابق، وقد لا ينجح في ظل ضعف اللاعب المحلي، ولذلك قد لا يرى هذا المشجع أن لكرة القدم هوية أو أنها تشكل نسيج المجتمع أو ثقافته لأنه لا يرى ذلك على الإطلاق مع فريقه.
- مشجع صيني يحب فريق شنغهاي شينهوا، ويعتبر فريقه - حالياً - الأفضل في الصين ومتصدر الدوري، رغم أن معظم لاعبي الفريق هم من الهواة ومع وجود عدد قليل من المحترفين الأجانب؛ يرى فريقه هو الأقوى لأن مستواه عالي، لكن المفاجأة تكون عندما يلعب فريقه ضد فريق في متذيل الترتيب في أحد الدوريات الأوروبية الكبرى ويُهزم؛ مما يدل على انعكاس ثقافة كرة القدم في مختلف البلدان، ورغم التطور والاقتصاد المذهل والإمكانيات والاستثمار الكبير إلا أنه لا توجد ثقافة كرة قدم في الصين، وتعتبر كرة القدم شيئاً ثانوياً جداً بالنسبة لهم.
وفي نهاية المطاف؛ أرى أن كرة القدم في بلد ليست هي نفسها في بلد آخر، وأرى أن كرة القدم تشكل جزءاً من ثقافة البلد، ولكن أسلوب لعب كرة القدم في ذلك البلد يبقى لذلك البلد، على سبيل المثال «كرة القدم الإنجليزية»، «كرة القدم الهولندية» وغيرها من أساليب اللعب المنسوبة إلى بلدان أخرى .. أخيرًا؛ المثقف الكروي أو عاشق كرة القدم - على دراية بشؤون كرة القدم عامة وليس استراتيجية لعب لدولة معينة - ولا أعتقد - في الوقت الحاضر أن الجماهير منغلقة عن ثقافات الدول الأخرى في كرة القدم على وجه الخصوص - وبغض النظر عن الأمثلة السابقة -، فإن أغلب سكان العالم يتابعون الدوري الإنجليزي الممتاز، وكما ذكرت سابقًا أن الدوري الإنجليزي الممتاز هو المعنى الحرفي لكرة القدم.

.jpg)
