غلاة «القضية الفلسطينية»


 لا شك أن القضية الفلسطينية هي الأولى عند العرب والمسلمين، وهي الأهم لديهم -منذ أن تم الاحتلال الصهيوني- من قبل قرابة الـ٧٦ عام؛ ولكن الأمر المؤسف هو مانراه الآن من بعض روّاد ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، من غلو ومبالغة في تقديس «القضية الفلسطينية»، ومن الغلو بات من السهل تكفير أي شخص من قِبل «غلاة القضية الفلسطينية». 

فيتم تكفير وصهينة شخص لمجرد شراءه من ستاربكس أو بيبسي أو ماكدونالدز وباقي المنتجات «الداعمة للكيان الصهيوني»... حتى لو كان مسلمًا! 

ويقولون لـ شراءِه هذا المُنتج فإنه قد شارك في قتل شخص فلسطيني!

ويأتي هذا بداعي العروبة «والإسلام»، ولتخاذله بدعم أهل غزة بأقل شيء ممكن .. فبالمقاطعة تتأثر الشركة.. وتقّل أربحاها .. وتنزل قيمة أسهمها وتخسر الكثير ... -وهذا ما رأيناه في بعض الشركات- «الداعمة للكيان الصهيوني»، وبالتأكيد لا أحد يريد أن يخسر فبالتالي قد تعيد النظر هذه الشركات في موقفها من هذه الحرب.

ولكن إذا كان «التكفير» والإتّهام بالمشاركة في الإبادة الجماعية بداعي الإسلام؛ فإن الإسلام قد نهى عن هذا الشيء، "قال ﷺ: من قال لأخيه يا عدو الله أو قال: يا كافر فقد باء بها أحدهما". 

فلا يجوز للمسلم أن يكفر أخاه، ولا أن يقول: يا عدو الله ولا يا فاجر إلا بدليل، فإذا رمى أخاه بالكفر وليس كذلك رجع إليه كلامه.

والمعنى التحذير، ليس معناه أنه كفر أكبر، بل معناه التحذير من هذا الكلام السيئ، وأن صاحبه على خطر عظيم إذا قاله لأخيه، فينبغي حفظ اللسان وأن لا يتكلم إلا عن بصيرة، فبأي حق تقول لمسلم يا كافر لمجرد شراءه منتج واحد -مثل بيبسي- بقيمة دولار واحد أو أقل؟! 

ولكن هذا لايعني أني ضد مقاطعة المنتجات الداعمة «للكيان الصهيوني»، ولكنني ضد التكفير والسب والشتم؛ والذي قد لا يكون من أجل عدم مقاطعتك بل من أجل نشر محتوى الطعام! وبصراحة أرى أن هذا الشيء مبالغ فيه بشدة.

وفي الجانب الآخر .. في زمان السوشيال ميديا ومعرفة الحقيقة من أصحاب الحق؛ لم تعد «القضية الفلسطينية» فقط قضية عربية إسلامية بل أصبحت قضية انسانية عالمية، وقد عرفوا الغرب الحقيقة بعد سنوات من التضليل الإعلامي من قِبل دولهم الداعمة «للكيان الصهيوني».

وهذا ما رأينها سواءً في مواقع التواصل الاجتماعي أو أرض الواقع .. ولعل الحدث الأبرز من دعم الغرب «للقضية الفلسطينية» هو مافعله الجندي الأمريكي "آرون بوشنيل" بعد أن حرق نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن قائلاً "لن أكون متواطئا بعد الآن في الإبادة الجماعية". ومات منتحرًا أمام السفارة الإسرائيلية.

 وهذا الجندي الأمريكي كان كافر ومات منتحرًا .. لكن غلاة القضية الفلسطينية لهم رأي آخر في هذا الأمر، ويقولون أنه أخير من بعض المسلمين، ويدعون له بالرحمة كذلك! ومن مات من اليهود أو النصارى أو عباد الأوثان لا يدعى لهم ولا يترحم عليهم ولا يستغفر لهم؛ لقول الله : "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ". 

 وقد قال الله جلّ وعلا : "وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا" وقال النبي ﷺ: من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة.

ومن هنا يتبيّن لنا مناقضات «غلاة القضية الفلسطينية»، يكفروّن مسلمًا لسبب تافه، ويترحمون على كافر ارتكب ذنبًا من الكبائر .. وللأسف هذا حال البعض والله المستعان؛ يرون أنّ «القضية الفلسطينية» فوق الدين -والعياذ بالله- وقد تداولت إحدى المنشورات من إحدى مستخدمين برامج التواصل الاجتماعي؛ يقول للناس أن يُضربوا عن الصوم في شهر رمضان المبارك من أجل الضغط لوقف الحرب! 

وفي النهاية ستبقى فلسطين قضيتنا الأولى، وسيبقى الأقصى شامخًا عزيزًا.

المقالة التالية المقالة السابقة