ظاهرة التجنيس الكروي
ظهرت ظاهرة التجنيس في كرة القدم كواحدة من المسائل المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة، وقد زاد عدد اللاعبين الأفارقة الذين يحملون جنسيات أوروبية ويمثلون المنتخبات الأوروبية، وذلك لعدة أسباب؛ قد يكون من بينها الفساد الرياضي في بلادهم الأم.
ومن منظور التاريخ الاستعماري والعلاقات الثقافية والاقتصادية، تبرز فرنسا كمثال رائد في هذا الشيء، حيث نجد الكثير من اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية يختارون تمثيل منتخب الديكة الفرنسية بدلاً من منتخبات بلدانهم الأصلية.
في أغلب الدول الأفريقية يُنظر إلى الفساد الرياضي كعائق رئيسي أمام تطوير البنية التحتية الرياضية والفرص المتاحة للاعبين، والانتقادات تشمل سوء التدبير المالي والتحيز في انتقاء اللاعبين وعدم الاستثمار الكافي في الرياضة على المستوى العملي والاحترافي .. وهذه العوامل تجبر اللاعب الموهوب على البحث عن فرص أفضل في أماكن أخرى حيث يمكنه تطوير مهاراته والعيش من رياضته؛ وهذا الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الثقة والحماس لتمثيل تلك البلدان، واللاعبون الشباب يرون في الجنسية الأوروبية -وخاصةً الفرنسية- فرصة للتقدم في مسيرتهم الرياضية بعيداً عن قيود الفساد وضعف البنية التحتية في بلدانهم الأصلية.
وتُعتبر فرنسا أبرز الأمثلة على استفادة المنتخبات الأوروبية من اللاعبين ذوي الأصول المهاجرة وخصوصاً من الدول الأفريقية، وقد فازت فرنسا بكأس العالم 2018 بفريق متنوع يضم لاعبين من أصول متعددة، الأمر الذي أثار حوارات حول الثقافة والهوية وما يعنيه أن تكون فرنسياً أو تمثل فرنسا في الملاعب العالمية.
والعديد من اللاعبين يختارون البلدان الأوروبية لمجموعة من الأسباب، البعض يسعى وراء الاستقرار الاقتصادي وفرص اللعب في دوريات الكبرى؛ والبعض الآخر قد ينجذب إلى النظام التعليمي أو التدريبي الأفضل في تلك البلدان، مع الأخذ في الاعتبار أن اللعب لمنتخبات كفرنسا يمكن أن يؤدي إلى زيادة الفرص في المشاركة في البطولات الكبرى ورفع القيمة السوقية للاعبين.
في حالات أخرى يجد بعض اللاعبين أنفسهم أمام فرصة لتمثيل بلدان قوية كروياً؛ وقد تزيد من فرصهم في الفوز بالبطولات الكبرى والمشاركة في منافسات عالمية مثل كأس العالم وبطولة أمم أوروبا ، حتى لو كان منتخب بلادهم يتمتع بمستوى عالي؛ وهذا ما رأينها عند بعض اللاعبين مثل لاعب برشلونه لامين يامال الذي أختار أن يمثل منتخب إسبانيا بدلًا من منتخب بلاده الأم المغرب، والغريب في الأمر أن أختار تمثيل منتخب أضعف من منتخب بلاده -حاليًا-.
تجنيس اللاعبين يمكن أن يخلق تساؤلات حول الانتماء والتمثيل الوطني؛ فقد يُنظر إلى اللاعبين على أنهم لا يلعبون بنفس مستوى الشغف والاعتزاز الذي يحمله لاعب يعبر عن بلده الأم، إلا أنه في الوقت نفسه تمتلك بعض الدول مثل فرنسا فلسفة تشجع على تبني مفهوم منفتح للهوية الوطنية .. مما يسمح للانتماءات المتعددة بالتعايش داخل فريق واحد، - ولا يمكننا إنكار ذلك فقد حقق المتتخب الفرنسي كأسي عالم وكان وصيف في نسختين، وكذلك في بطولة اليورو - وهذا ما يثبت نجاح هذه الفلسفة؛ التي قد لاتنجح مع أغلب البلدان الأخرى.
ماذا عن المشجعين الذين يرغبون في رؤية أصدقائهم وعائلاتهم على المسرح الدولي، بدلاً من الغرباء العشوائيين الذين سمعوا عنهم فقط؟
كريكور يريتزيان
عنصرية الجماهير ضد اللاعبين المجنسين تظهر في كثير من الأحيان عبر الشتائم والإهانات، خصوصاً في الأوقات التي يكون فيها أداء الفريق دون المستوى المطلوب، ويمكن أن يتم استهداف هؤلاء اللاعبين وإلقاء اللوم عليهم بشكل كبير لانتكاسات الفريق، وفي بعض الحالات تكون مجرد محاولة لتحميلهم مسؤولية خيبات الأمل الرياضية؛ وهذا ماحصل مع لاعبين فرنسا من الأصول الأفريقية عند خسارتهم نهائي كأس العالم وإضاعة ركلات الترجيح. . وهذه الأجواء السلبية قد تؤثر على تماسك الفريق وأداءه، ويحتاجون اللاعبين الدعم من الجماهير لتقديم أفضل مستوى لديهم، وليس بالشتم والاهانات والعنصرية.
Some of the racist abuse Kingsley Coman is getting on Instagram tonight pic.twitter.com/JIUudhLRgZ
— Bayern & Die Mannschaft (@iMiaSanMia_en) December 18, 2022
وفي نهاية المطاف التجنيس الرياضي يمثل سيفًا ذا حدين؛ فهو يفتح الأبواب أمام اللاعبين لتحقيق أحلامهم الكروية، لكنه قد يعرض الهوية الرياضية الوطنية لبعض التحديات الثقافية والمعنوية .. وهذه الموازنة بين المنافع الفردية والجماعية تستمر في تشكيل المشهد الكروي العالمي.

