عن (مالك يوم الدين)
بما أن هلّ علينا شهر رمضان وأتى ليضيء حياتنا
فلابد من البحث عن الفوائد في فضله وفضل العبادة فيه، وقبل هذا لابد من التدبر في القرآن وفهم معانيه ليقود الفهم الى الخشوع والخشية من الرب سبحانه تعالى ويقود لحُبّه عزّ وجل
احد وقفاتي في سورة الفاتحة كانت عند قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
في تفسيرها
وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها : ( مالك يوم الدين ومالك مأخوذ من الملك ، كما قال : ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) [ مريم : 40 ] وقال : ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس ) [ الناس : 1 ، 2 ] وملك : مأخوذ من الملك كما قال تعالى : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [ غافر : 16 ] وقال : ( قوله الحق وله الملك ) [ الأنعام : 73 ] وقال : ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ] .
وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه ، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين ، وذلك عام في الدنيا والآخرة ، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير مالك يوم الدين أنه القادر على إقامته ، ثم شرع يضعفه .
والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ، ولا ينكره ، ولكن السياق أدل على المعنى
وقال ابن القيم-رحمه الله- في كتابه الرائع (ذوق الصلاة) عن هذه الآية بعد ما أورد طرق الخشوع وتدبر آيات الفاتحه
ثم يُعطي قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} عبوديتها ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر وذلك من تفاصيل حمده، وموجبه
ولما كان قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: «حمدني عبدي» ولما كان قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إعادة وتكريرًا لأوصاف كماله قال: «أثنى علي عبدي» فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده بـ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمى هذا الثناء مجدًا فقال: «مجدني عبدي» فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال .
