رسالة الغفران لأبي العلاء المعري


رسالة الغفران لأبي العلاء المعري 

 في نهاية شتاء 2006، في لندن، أتمشى في قرية قرينتيش؛نعم هي تلك التي تنتصف خط الوقت أو ما شابه، لا أعلم ربما أي شيء من ذلك ،المهم أن لها شهرة ،ومكانة خاصة، كنت في عصر ذاك اليوم الخميس وأنا أمشي وأستوقفني ما رأيته، رأيت بيت شكله يبدو كالذئب او أحد السباع ربما؛ كان شكله غايةً في الإعجاز والجمال، لكم أن تتخيلو أنه كان مصنوع بالكامل من جلد الذئب، عرفت ذلك من ساكن ذاك المنزل، فحين كانت تأخذني دهشة النظر في هذي التحفة المعمارية، كان يقف رجل عند الباب لم أره إلا بعد ما توقفت النظر الى أعلى البيت لأن رقبتي أوجعتني بشدّة، كان يرفع يديه وكأنه يطلب مني المجيء؛كان رجل يبدو في السبعين من عمره، طويل القامة، كثير الشعر واللحية، إنجليزي المنظر، فقدمت إليه وحييتُه بتحية الإسلام، ورحّب بي إلى داخل منزله،

فدخلت، فكان البيت يشبه الكهف من الداخل مليئ بالكتب في كل شبر في هذا المنزل كتاب غير المكتبات العملاقة المنحوتة؛ فبادر الحديث الرجل قائلاً : أنا أعيش هنا من 33 عام لقد شيدت هذه التحفة الفنية عام 1972 ،وصممت شكله الخارجي كلّه بجلد 20 ذئب أصطدتها، ودبغتها ،وخيطتها، ووضعتها على هذي الهيئة 


قلت: يا إلهي هذا عمل مدهش منك يبدو أنك قارئ نهم...أليس كذلك ؟؟


قال: نعم، فمن قبل أن أعيش هنا وأنا أقرأ أي شيء يقع بين يدي وعندما قدمت هنا أعتزلت مع الكتب، أشتريتها من كُتبي رحالّة أتى بها من شتى بقاع العالم ومن كل الفنون والعلوم والمعارف فعكفت على قراءتها 


قلت: سأسألك سؤالاً ربما يكون صعباً على مثلك..؟


قال: إسأل


قلت: أعطني كتاباً فضّلته على كل هذه الكتب ؟


قال: إنه كذلك صعب ،لكن سأعطيك هذا ....


ذهب الى إحدى مقاعد الجلد المعتّق تلك التي تغطيها الكتب وأنتخب لي كتاب بدى لمعانه،مع غُبرته، فقدمّه لي بيديه المجعدتين ذات النمش الشيخوخي وقال لي:


-خذ هذا 


فقرأت عنوانه (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري..


شربنا الشاي الإنجليزي الذي أعده هو وتجاذبنا أطراف الأحاديث التي لايهم ذكرها الآن

خرجت من بيته، وودعته، وشكرته؛مضيت الى شقتي عندما أغربت الشمس، عندما وصلت بدأت أتصفح الكتاب، ابو العلاء المعري المؤلف ربما كتاب شعري، فإن أبو العلاء هو الشاعر نعرفه، هو الذي لطالما درسنا أشعاره في المرحلة المتوسطة، ربما كتاب شِعري، فتحت الكتاب وما أغلقته إلا بعد ما أنهيته بالكامل، لقد شدّني الكتاب، نحواً، بلاغةً، خيالاً، يا الله ! ما كل هذا الجمال؟!!...أخذتني الدهشه وأنغمست في هذا الكتاب أقراهُ، حتى أصبح الخارج مشعاً وتسلل ضوء الشمس الى الداخل؛لقد أمضيت وقتًا طويلاً:يا لهذا المقروء العجيب !! .




• وهل في الدنيا شيء بعد الدين أعظم من الأدب ؟ إنه كلام ولكنه كلام يجر أفعالا ، إنه كلام ولكنه يقيمكم إن كنتم قاعدين ، ويقعدكم إن كنتم قائمين ، ويدفع بكم إلى الموت ، و يأخذ بأيديكم إلى الحياة، علي الطنطاوي


• عن الكتاب:وقد تَنْطِقُ الأشياءُ وهْيَ صَوَامِتٌ وما كُلّ نُطْقِ المُخْبِرينَ كلامُ ، أبو العلاء المعري


• الكتاب وعاء مليء علما ، وظرف حشى ظرفا ، وإناء شحن مزاحا ينطق عن الموتى ، ويترجم كلام الأحياء لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى ، آمن من الأرض ، وأكتم للسر من صاحب السر ، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة ، الجاحظ .

المقالة التالية المقالة السابقة